مرتضى الزبيدي
34
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الحديد : 3 ] . وإن صح وجوده لا في مكان فلا يصح وجوده بنفسه ، بل هو مفتقر في وجوده إلى صانعه ، وهؤلاء يقولون : إن المحدثات كلها قائمة باللّه تعالى على معنى أنه هو الموجد لها لا على معنى حلولها فيه ، واللّه عز وجل قائم بنفسه لأن وجوده واجب لذاته من غير موجد أوجده ، بل لم يزل موجودا ولا يزال باقيا أبدا ( دائم لا انصرام له ) . أصل الدوام السكون ، ويعبر به عن البقاء ، فيقال : الدائم هو الباقي ، ويكون الدوام بالضم بمعنى الدوران ، ولا يجوز وصف اللّه بالدائم إلا بمعنى الباقي ، فهو من صفاته الأزلية الذاتية ، فأما الدائم بمعنى الساكن والدائر ، فإنما يصح وصفه بذلك على مذهب الكرامية المجسمة والمشبهة الجواربية والهشامية ، فإن هؤلاء وصفوه بأنه جسم مماس بالعرش ، وأجازوا وصفه بالسكون عليه والإنتقال عنه ، والحلولية وصفوه بالدوران والإنتقال تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . والإنصرام : الانقطاع ( لم يزل ولا يزال ) هو عبارة عن القدم والبقاء قال الزمخشري : في الأساس قولهم كان في الأزل قادرا عالما وعلمه أزلي وله الأزلية مصنوع لا من كلامهم ، وكأنهم نظروا إلى لفظ لم يزل ( موصوفا بنعوت الجلال ) أشار به إلى الصفات السلبية وهي سلب ما يستحيل ويمتنع لقدوسيته سبحانه ، ومنه أيضا قول المصنف في عقيدة أخرى له لم يزل ولا يزال مقدسا عن كل نقص وآفة لا يوصف بصفات المحدثين ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين ( لا يقضى عليه بالإنقضاء ) أي لا يحكم عليه به ( بتصرم ) أي انقطاع ( الآباد ) جمع أبد وهو الدهر الطويل الذي ليس بمحدد ، ( وانقراض الآجال ) جمع أجل وهو المدة والوقت ( بل : هو الأول ) قبل كل شيء بالوجوب وابتدائه بالإحسان ( والآخر ) بعد كل شيء برجوع الأمر إليه وبفضله بالغفران ، فللحق الأولية من حيث أنه موجد كل شيء وله الآخرية من حيث رجوع الأمر كله إليه وظهور مراتب الإلهية كلها فيما بين الأولية والآخرية . قال المصنف في المقصد الأسنى : أعلم أن الأول يكون أولا بالإضافة إلى شيء وأن الآخر يكون آخرا بالإضافة إلى شيء وهما متناقضان ، فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه بالإضافة إلى شيء واحد أولا وآخرا جميعا ، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المرتبة ، فاللّه تعالى بالإضافة إليها أول إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه ، وأما هو فموجود بذاته ما استفاد الوجود من غيره ، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مرتبة السائرين إليه فهو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين ، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته ، والمنزل الأقصى هي معرفة اللّه تعالى فهو آخر بالإضافة إلى السلوك إليه ، وأول بالإضافة إلى الوجود فمنه المبدأ أولا وإليه المرجع والمصير آخرا ( والظاهر ) بنفسه لنفسه والمظهر لغيره ، ولكمال ظهوره وجلالة بروزه أورثت شدة ظهوره خفاء ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن الأبصار والعقول لشدة ظهوره ، ( والباطن ) عن خلقه فلم يزل باطنا